ابن قيم الجوزية

33

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

الأرض إلى فوق السماوات لا قبل التخليق ولا بعده فأين الدليل الدال على إصعاد مادته أو إصعاده هو بعد خلقه وهذا ما لا دليل لكم عليه ولا هو لازم من لوازم ما أخبر اللّه به . قالوا ومن المعلوم أن ما فوق السماوات ليس بمكان للطين الأرضي المتغير الرائحة الذي قد أنتن من تغيره وإنما محل هذا الأرض التي هي محل المتغيرات الفاسدات وأما ما فوق الأفلاك فلا يلحقه تغير ولا نتن ولا فساد ولا استحالة فهذا أمر لا يرتاب فيه العقلاء . قالوا وقد قال اللّه تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فأخبر سبحانه أن عطاء جنة الخلد غير مجذوذ قالوا فإذا جمع ما أخبر به سبحانه من أنه خلقه من الأرض وجعله خليفة في الأرض وأن إبليس وسوس إليه في مكانه الذي أسكنه فيه بعد أن أهبطه من السماء بامتناعه من السجود له وأنه أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة وأن دار الخلد دار جزاء وثواب على الامتحان والتكاليف وأنه لا لغو فيها ولا تأثيم ولا كذاب وأن من دخلها لا يخرج منها ولا ييأس ولا يحزن ولا يخاف ولا ينام وأن اللّه حرمها على الكافرين ، وإبليس رأس الكفر فإذا جمع ذلك بعضه إلى بعض وفكر فيه المنصف الذي رفع له علم الدليل فشمر إليه وربأ بنفسه عن حضيض التقليد تبين له الصواب واللّه الموفق قالوا ولو لم يكن في المسألة إلا أن الجنة ليست دار تكليف وقد كلف اللّه سبحانه الأبوين بنهيهما عن الأكل من الشجرة فدل على أنها دار تكليف لا جزاء وخلد . فهذا أيضا بعض ما احتجت به هذه الفرقة على قولها واللّه أعلم . الباب الخامس في جواب أرباب هذا القول لأصحاب القول الأول قالوا أما قولكم أن قولنا هو الذي فطر اللّه عليه عباده بحيث لا يعرفون سواه فالمسألة سمعية لا تعرف إلا بأخبار الرسل ونحن وأنتم إنما تلقينا هذا من القرآن لا من المعقول ولا من الفطرة فالمتبع فيه ما دل عليه كتاب اللّه وسنة رسوله ونحن نطالبكم بصاحب واحد أو تابع أو أثر صحيح أو حسن بأنها جنة الخلد التي أعدها اللّه للمؤمنين بعينها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا وقد أوجدناكم من كلام السلف ما يدل على خلافه ولكن لما وردت الجنة مطلقة في هذه القصة ووافقت اسم الجنة التي